الراغب الأصفهاني

153

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

وقال : طيّات طاوي الكشح لا * يرخي لمظلمة إزاره « 1 » المتحمّل للشدائد الصابر لها وصف رجل آخر فقال : كان ركوبا للأهوال غير ألوف للظلال . قال أعرابي لوال : اجعلني زماما من أزمتك التي تجرّبها العدو فإني ممن يتخذ الليل جملا في أثر العدو وأتدرع ظلامه لا نكول ولا أكول . وقيل فلان شديد الحجزة أي الصبر على الشدة ، قال الأقرع : ونكبة لو رمى الرامي بها حجرا * أصمّ من حجر الصوّان لانصدعا « 2 » مرت عليّ فلم أطرح لها سلبي * ولا استكنت لها وهنا ولا جزعا وقال الموسوي : وكم عجموني فانسللت مهذّبا * وأثّر عودي في نيوب الأعاجم « 3 » الموصوف بالقوة أتى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه رجل يستحمله فقال له : خذ لك بعيرا فأخذ بذنب بعير من إبل الصدقة فجذبه فاقتلعه فتعجب من قوّته ، وقال : هل رأيت أقوى منك ؟ قال : نعم خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلنا منزلا أهله خلوف ، فأقبل رجل ومعه ذود « 4 » ، فضرب إلى الحوض فساورها « 5 » فنادتني فما انتهيت إليها حتى خالطها فجئت لأدفعه عنها ، فأخذ برأسي بين جنبه وعضده فما استطعت حراكا حتى قضى حاجته ثم استلقى . فقالت المرأة : أي فحل هذا لو كان لنا منه سخلة « 6 » فأمهلته حتى امتلأ نوما فقمت إليه بالسيف فضربت ساقه فأبنتها فانتبه فتناول رجله فرماني بها فأشواني وأصاب رأس بعيري فقتله . فقال عمر : ما فعلت المرأة ؟ فقلت : هذا حديث الرجل . فكرر السؤال عليه فلم يزده على هذا فظن أنه قتلها . وكان الوليد شديد القوة وكان يؤتى بسلسلة من حديد وفيها حبل فيشده في رجله ويؤتى بالدابة فيثب عليها وثبة واحدة ولا يمسها بيده فيقطع السلسلة . فقال لأصحابه يوما : هل تعلمون من هو أصرع مني ؟ قالوا : نعم رجل بخراسان . فأحضره وقال : أريد أن تصارعني وإن حابيتني قتلتك فصارعه فحمله ووضعه فوق دسته ، وقال أنت هاهنا أحسن دع رعيتك يتصارعون بين يديك ولا تدخل معهم فيما لك عنه مندوحة .

--> ( 1 ) الطيّات : جمع طية وهي الثنية - الكشح : من الجسم ما بين السرّة ووسط الظهر . ( 2 ) النكبة : المصيبة الشديدة - الحجر الأصمّ : الصلب - انصدع : انشقّ . ( 3 ) عجموني : أي اختبروا مقدار صلابتي ، من عجم العود إذا عضّه بأسنانه ليرى مقدار صلابته . ( 4 ) الذود : الإبل من ثلاثة إلى عشرة . ( 5 ) ساورها : واثبها . ( 6 ) السخلة : ولد الشاة .